بين القصف و الخذلان… غزة تموت و العالم يتثاءب


رانية مرجية*
منذ متى صار الموت خبزنا اليومي؟
منذ متى صارت الشهادة حدثًا روتينيًا لا يهز الضمير؟
غزة لا تموت فقط بالقنابل.
غزة تُقتل بالتواطؤ، بالتأجيل، بالبيانات “الدبلوماسية” التي لا ترد روحًا ولا تعيد جثامين الأطفال من تحت الركام.
مجزرة الخبز: حين يتحوّل الطابور إلى كفن
ما جرى اليوم في غزة – تحديدًا في النصيرات و محيط نتساريم – لا يمكن تسميته إلا مجزرة الخبز.
أكثر من 70 شهيدًا في ساعاتٍ قليلة، بينهم أطفالٌ و نساء كانوا يصطفون أمام قوافل المساعدات في طوابير تشبه قوافل النكبة.
أي قلوبٍ تلك التي تطلق النار على الجوعى؟
أي عيون ترى الفلسطيني يمشي على قدم واحدة ويسقط، ثم تعيد إطلاق النار لتتأكد من موته؟
ليس الأمر حادثًا منفردًا، بل تكرارٌ لمأساة ممنهجة، حيث المساعدات فخٌ إنساني، و حيث الرغيف آخر ما يذوقه الشهيد.
الضفة… رئة تُخنق ببطء
في الضفة الغربية، الموت لا يأتي من السماء، بل من الأرض.
الاحتلال يحكم الخناق على القرى و المدن، يعتقل العشرات يوميًا، يداهم البيوت ليلاً كما لو أنها بؤر طاعون، و يزرع في الأطفال رعبًا لا يُمحى.
هل سمع أحدكم صرخة طفلٍ من نابلس حين يُعتقل والده؟
هل شاهد أحدٌ عجوزًا من جنين وهي تُركل لأنها رفضت أن تصمت؟
كل ذلك يحدث بلا كاميرات، بلا شهود، إلا ضمير الله.
المنطقة على شفير جحيم
وعلى هامش الدم الفلسطيني، تدور آلة الحرب الكبرى بين “إسرائيل” وإيران.
صواريخ هنا، ضربات هناك، مستشفيات تحترق، و مفاعلات نووية تهتز.
و لكن بين كل هذه الدول، لا أحد يتذكّر أن غزة مدينة و ليست مجرد “تفصيل جغرافي مزعج”.
كلّ القوى العظمى تدعو إلى “التهدئة” بينما يُنحر شعبٌ كامل على شاشاتهم… فلا تتحرك سوى شِفاههم.
الصمت لا يصنع سلامًا
لا يحتاج الشعب الفلسطيني إلى بيانات منمّقة، بل إلى أفعال.
إلى حماية دولية حقيقية، إلى ممرات إنسانية آمنة، إلى ضمير عالمي يستيقظ من سباته الأخلاقي.
كفى انتقائية في الغضب، كفى تصنيفًا لدمنا، كأن دمنا “أقل نقاءً”، أقل وجعًا، أقل بشرية.
نهاية المقال – بداية السؤال
إلى متى نظل نعد شهداءنا بالأرقام و نجهّز قبورنا بالاسم؟
إلى متى تظل غزة وحيدة، تموت كل ليلة بلا ضوء، بلا ماء، بلا حتى وداع؟
و إلى متى ستصمد الضفة وهي تُنهش كالذئب لجسدٍ حي؟
أيها العالم… إن كنت لا تملك شجاعة الوقوف معنا، على الأقل لا تعلّمنا دروسًا في الأخلاق.
*كاتبة فلسطينية من الرملة