
هاني البرغوثي
في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة (15 مايو 2026)، لا يحيي الفلسطينيون مجرد ذكرى مأساة تاريخية، بل يستحضرون الذاكرة كأداة للمقاومة و تشكيل المستقبل. لقد تحولت النكبة من مجرد حادثة في عام 1948 إلى “حاضر مستمر” يعيشه الفلسطينيون في غزة و الضفة و الشتات، مما يجعل العودة حقاً مقدساً لا يسقط بالتقادم مهما طالت السنين.
مرَّة أخرى، تستدعي الذاكرة الفلسطينية مشهداً من أكثر المشاهد وجعاً في التاريخ الحديث؛ مشهد عام 1948، ذلك العام الذي تحول فيه الحلم إلى كابوس، و الوطن إلى ذكرى. في الخامس عشر من أيار (مايو) من كل عام، يتوقف الفلسطينيون في كل مكان ليسترجعوا لحظة الانكسار الأولى التي عرفتها النكبة، بيوتٌ هُدمت، قرى مُحيت، و مفاتيح صدئة لا تزال تفتح أبواب الحلم. إنها ذكرى النكبة، تلك الكارثة التي جعلت من الإنسان الفلسطيني قضية، و من ترابه وطنًا بديلاً. تلك الكارثة التي لم تمحو الجغرافيا فقط، بل شردت الملايين و زرعت بذور الصراع الذي لا يزال مستعراً حتى اليوم.
النكبة: أكثر من مجرد تهجير
لم تكن النكبة مجرد هزيمة عسكرية أو خسارة أرض؛ بل كانت “تطهيراً عرقياً” ممنهجاً، كما يصفها العديد من المؤرخين. لقد تم تدمير أكثر من 500 قرية و بلدة فلسطينية و محو اسمها من الخرائط، فيما هُجّر أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم بالقوة. تحولت المدن التاريخية كيافا و حيفا و عكا إلى مدن مهجورة، بينما تحول سكانها إلى لاجئين يتوزعون على مخيمات في الضفة الغربية و قطاع غزة و الأردن و لبنان و سوريا، تحول اللاجئون إلى “سكان مخيمات”، لكنهم احتفظوا بعنوان واحد لا يتغير: “عائدون و لن نتراجع عن حق العودة حتى النفس الأخير من هذه الحياة.
ذاكرة حية و ليست طيّ النسيان
ما يميز النكبة الفلسطينية عن غيرها من الكوارث التاريخية أنها ليست حدثاً مضى و انتهى، بل هي عملية مستمرة حتى يومنا هذا. فسياسات الاستيطان، و تهجير سكان حي الشيخ جراح في القدس، و التهديدات المتكررة بتهجير سكان غزة، كلها حلقات في سلسلة متصلة من النكبة. الفلسطينيون يحملون مفاتيح بيوتهم المهدمة كأيقونات للعودة، و يروون الحكايات لأبنائهم كي لا تموت الأرض رغم غيابها، و الفلسطيني اليوم يعيش نكبة متواصلة، تحاول محو وجوده، لكنه يصر على البقاء كأشجار الزيتون، و على رواية الحكاية كأنها تحدث الآن.
لماذا نحيي الذكرى؟
إن سألنا سائل لماذا نحيي الذكرى سيجيبه الوليد قبل الشيخ العجوز اننا لم ننسَ. لان الذاكرة الفلسطينية أقوى من الدبابات. إحياء النكبة ليس بكاءً على الماضي، بل إعلان صمود في الحاضر، و تجديد للعهد بأن العودة حق لا يسقط بالتقادم، و أن فلسطين من النهر إلى البحر ستبقى حلم الأجيال.
في هذا اليوم، نستحضر صور الجدات يحملن المفاتيح، و نردد مع الشاعر محمود درويش: “للعودةِ وجهٌ واحدٌ، و هو فلسطين”.
المعاناة الإنسانية و اللجوء المستمر
يعيش اليوم أكثر من 5.6 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لدى وكالة الأونروا، يعانون من أوضاع إنسانية صعبة، و تضييقاً على حقوقهم في معظم الدول المضيفة. و مع تصاعد الخطاب اليميني المتطرف، تتصاعد الدعوات لتصفية قضية اللاجئين، الأمر الذي يزيد من معاناتهم و يعمق الإحساس بالظلم.
في الذكرى: رسالة أمل و إصرار
رغم كل الألم، تظل ذكرى النكبة محطة للتأكيد على الهوية و الثبات. إنها ذكرى تجدد الإيمان بأن حق العودة ليس مجرد شعار، بل هو حق قانوني و إنساني كفله القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة. كما أنها مناسبة لتوجيه رسالة إلى العالم بأن السلام الحقيقي لن يتحقق دون معالجة جذور القضية الفلسطينية، و في مقدمتها حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها قسراً.
خاتمة
في ذكرى النكبة، نقف لحظة تأمل مع تاريخ مؤلم، و لكن ليس لنبكي على الماضي فقط، بل لنستخلص الدروس و نؤكد على الحق. إنها ذكرى تذكر العالم بأن فلسطين لم تكن أرضاً بلا شعب، و أن شعبها لم و لن يتنازل عن حلم العودة. و مهما طالت سنوات الغياب، ستبقى فلسطين جرحاً غائصاً في الوجدان العربي و الإنساني، و ستبقى النكبة شاهدة على أن القوة وحدها لا تصنع الحق، و أن العدالة مهما تأخرت لا تسقط بالتقادم.
“سنبقى هنا، نحلم بالعودة، و نزرع الزيتون على أمل أن تنبت الحرية.”
عربي الانتماء
فلسطيني الهوية




