أقلام مهجرية

الأسرى الفلسطينيون: قصة صبر و عزة و إباء

إعدام الأسرى الفلسطينيين: قانون الإعدام كأداة للتصفية

هاني البرغوثي
هاني البرغوثي

هاني البرغوثي
نبض الوعي العربي

تورونتو / كندا

يمثل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تحولًا نوعيًا و خطيرًا في سياسات الاحتلال، حيث ينتقل من سياسات القتل التدريجي عبر الإهمال الطبي والتعذيب إلى سياسة التصفية المعلنة عبر الإعدام. هذا القانون، الذي وُصف بأنه “جريمة حرب” و “تطبيع للإعدام خارج القانون”، يعكس التوجه الفاشي المتطرف للحكومة الإسرائيلية و يهدد حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين .

إن صمت المجتمع الدولي أمام هذا القانون يشكل تواطؤًا في جريمة ضد الإنسانية، و يضع المنظمات الحقوقية و الدول أمام مسؤولية تاريخية لوقف تنفيذ هذا القانون و إلغائه، و العمل على حماية الأسرى الفلسطينيين الذين يمثلون رمز النضال و الكرامة.

في زنازين الاحتلال، خلف القضبان الحديدية و الأسلاك الشائكة، يعيش رجال و نساء و أطفال، ليسوا مجرد أرقام في سجلات السجون، بل هم قصة شعب يرفض الاستسلام، و ملحمة وطنية تتجدد كل يوم. إنهم الأسرى الفلسطينيون، الذين جعلوا من قضيتهم قضية الأمة جمعاء، و حولوّا المعاناة إلى عنوان للحرية والكرامة.

أيقونات النضال

الأسير الفلسطيني ليس مجرد معتقل، بل هو رمز للنضال المتواصل. منذ عقود، امتلأت سجون الاحتلال بالآلاف من الفلسطينيين، بينهم قادة و مفكرون و شيوخ و نساء و أطفال، دفعوا من حريتهم ثمناً لدفاعهم عن أرضهم و مقدساتهم. من الأسير القائد مروان البرغوثي الذي أصبح صوت المقاومة داخل الزنازين، إلى الأسيرات اللواتي روين بأصواتهن قهر السجانين، إلى الأسير كريم يونس الذي أمضى أربعين عامًا خلف القضبان قبل أن ينال حريته، كل أسير يروي قصة كفاح لا تنتهي. هذه الأسماء وغيرها أصبحت أيقونات وطنية، تمثل امتدادًا لنضال الآباء و الأجداد، و تؤكد أن هوية الشعب الفلسطيني لا تسقط بالتقادم.

أعداد و حقائق صادمة

حسب تقديرات المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين منذ عام 1967 حتى اليوم أكثر من مليون أسير، أي ما يعادل نحو خمس الشعب الفلسطيني. حاليًا، يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 4700 أسير و أسيرة، بينهم نحو 170 طفلاً وأكثر من 30 أسيرة، بالإضافة إلى أكثر من 700 معتقل إداري دون تهمة أو محاكمة. هذه الأرقام وحدها تكشف حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، حيث لا يخلو بيت فلسطيني من قصة أسر أو اعتقال.

انتهاكات جسيمة

يواجه الأسرى في سجون الاحتلال أقسى أشكال الانتهاكات. سياسة الاعتقال الإداري التي تسمح باحتجاز الأسير دون تهمة أو محاكمة لأشهر و سنوات، و تجريف المنازل كعقوبة جماعية، و الحرمان من الزيارات العائلية التي تُعد شريان حياة الأسير، و الإهمال الطبي المتعمد الذي أدى إلى وفاة العديد من الأسرى مثل الشهيد خضر عدنان وماهر الأخرس، و التعذيب بمختلف أشكاله من ضرب و إهانة و حرمان من النوم و الإيواء في زنازين انفرادية، كلها أدوات يستخدمها الاحتلال لكسر إرادة الأسرى. لكن التجربة أثبتت أن هذه السياسات لا تزيد الأسرى إلا صلابة و إصراراً على مواصلة الطريق.

إرادة لا تنكسر

ما يميز الأسرى الفلسطينيين هو قدرتهم الفائقة على تحويل السجن إلى جامعة وطنية. داخل الزنازين، يتعلمون، يدرسون، يخططون، و ينظمون حياتهم بإرادة قوية. خاضوا إضرابات متعددة عن الطعام، كان أبرزها إضراب الكرامة عام 2017 الذي شارك فيه أكثر من ألف و خمسمائة أسير، و استمر أربعين يومًا، محققين انتصارات كبيرة على إدارة السجون. كما خاض الأسرى إضرابات متعددة على مر السنين، كان آخرها إضراب الأسرى الإداريين الذي حقق مكاسب إنسانية مهمة. هذه الإضرابات جسّدت وحدة الصف الفلسطيني و إرادة التحدي في وجه أقوى آلة قمع، و أظهرت للعالم أن الإرادة الفلسطينية أقوى من القضبان و السجون.

دور المرأة الأسيرة

الأسيرات الفلسطينيات يشكلن نموذجاً خاصاً في النضال. خلف القضبان، تواجه المرأة معاناة مضاعفة، فهي تعاني من وطأة الأسر مضافاً إليها الظلم الاجتماعي و الانتهاكات الجسدية و النفسية. لكنهن أثبتن أن المرأة الفلسطينية شريك أساسي في النضال، قدمن شهيدات و أسيرات، و أثبتن أن العزة و الكرامة لا تعرفان حدوداً للجنس أو العمر. أسماء مثل الأسيرة لينا الجربوعي التي أمضت سنوات في الأسر، و الأسيرة شذى أبو بكر التي تحدت سجانها بقلمها و كتبت قصص الأسيرات، تبقى حاضرة في الوجدان الوطني. كما أن الأسيرات يواجهن انتهاكات خاصة مثل التفتيش المهين، و الحرمان من رعاية صحية ملائمة، و فصلهن عن أطفالهن الرضع في بعض الحالات.

الأطفال في سجون الاحتلال

من أبشع صور الانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال هو اعتقال الأطفال الفلسطينيين. يقبع عشرات الأطفال في سجون الاحتلال، يتعرضون لأساليب تحقيق قاسية، و يواجهون الترهيب و التهديد، و يُحرمون من أبسط حقوقهم الإنسانية. التقارير الدولية، بما فيها تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، وثقت انتهاكات جسيمة بحق الأطفال المعتقلين، تشمل الاعتداء الجسدي، و التحقيق الليلي، و الضغط النفسي. هؤلاء الأطفال، بعضهم دون الثانية عشرة من العمر، يدفعون ثمنًا باهظًا لمجرد أنهم فلسطينيون.

الانتهاكات الصحية و استشهاد الأسرى

يشكل الإهمال الطبي المتعمد أحد أخطر الانتهاكات التي يواجهها الأسرى. سجون الاحتلال تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية، و يمنع الأسرى من تلقي العلاج اللازم، مما أدى إلى استشهاد العديد منهم داخل السجون. استشهاد خضر عدنان بعد إضراب مفتوح عن الطعام استمر 87 يومًا، و استشهاد ماهر الأخرس و أسرى آخرين بسبب الحرمان من العلاج، تؤكد أن سياسة الموت البطيء باتت أداة يعتمدها الاحتلال في حربه على الأسرى. هذه الجرائم الطبية بحاجة إلى محاكمة دولية عاجلة، فهي انتهاك صريح للقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية.

قضية الأمة جمعاء

قضية الأسرى ليست قضية فلسطينية فقط، بل هي قضية كل من يؤمن بالحرية و العدالة. إنها اختبار حقيقي لضمير العالم أمام الانتهاكات اليومية التي تطال أناساً لا ذنب لهم سوى دفاعهم عن أرضهم و حقهم في العيش بحرية. المنظمات الحقوقية الدولية تتابع ملف الأسرى، لكن ما يحدث داخل السجون يبقى أكبر من أي تقرير دولي، لأن المعاناة اليومية لا يمكن أن تختزل في أرقام و إحصائيات. المجتمع الدولي مطالب بالتحرك الفوري لإنهاء سياسة الاعتقال الإداري، و ضمان حقوق الأسرى وفق اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على حماية المدنيين في أوقات الحرب و الاحتلال.

دور الإعلام و المؤسسات الحقوقية

في ظل التعتيم الإعلامي الذي تمارسه سلطات الاحتلال، تبرز أهمية دور الإعلام الفلسطيني و العربي في كشف انتهاكات السجون و نقل معاناة الأسرى إلى الرأي العام العالمي. المؤسسات الحقوقية مثل مؤسسة الضمير، و هيئة شؤون الأسرى، و نادي الأسير الفلسطيني، توثق يوميًا انتهاكات الاحتلال و تعد التقارير المفصلة التي ترفع إلى المحافل الدولية. كما أن حملات التضامن الدولية التي تشهدها عواصم العالم، و وقفات الأسرى في مدن الضفة الغربية و قطاع غزة و الداخل المحتل، كلها تشكل ضغطًا مهمًا على الاحتلال و تذكره بأن قضية الأسرى حية لا تموت.

نحو الحرية

يظل الأسرى الفلسطينيون حاضرين في وجدان الشعب الفلسطيني والأمة العربية و الإسلامية. ذكراهم في الأعياد و المناسبات، و دعوات الناس لهم في صلواتهم، و تضامن الأحرار حول العالم، كلها تؤكد أن قضيتهم لن تسقط بالتقادم. إنهم أسرى الاحتلال لكنهم أحرار بالإرادة، سجناء السياسة لكنهم طلقاء بالكرامة. صفقات التبادل التاريخية، مثل صفقة وفاء الأحرار التي أعادت أكثر من ألف أسير مقابل “الجندي الإسرائيلي” جلعاد شاليط، تثبت أن خيار المقاومة و الصبر هو الطريق الأقصر لتحرير الأسرى. و في كل يوم، يتجدد الأمل بأن الأسرى سيعودون يومًا إلى بيوتهم و أحضان ذويهم.

خاتمة

في الختام، تبقى قضية الأسرى الفلسطينيين اختباراً حقيقياً للإنسانية، و امتحاناً صعباً لمدى التزام العالم بحقوق الإنسان. و إلى أن تتحرر الأرض و تعود الأسيرات و الأسرى إلى بيوتهم و أحضان ذويهم، سيبقى صوتهم عالياً يدق جدران الصمت، و تبقى قضيتهم نبراساً للأجيال القادمة، تؤكد أن الحرية لا تُعطى بالمجان، بل تنتزع بالتضحية و الصبر و العزيمة. إن تحرير الأسرى ليس حلمًا بعيدًا، بل هو قضية وقت فقط، لأن إرادة الحياة في قلوب الفلسطينيين أقوى من كل سجان و كل قيد.

اللهم فكَّ أسراهم، و اشفِ مرضاهم، و اجبر كسرهم، و ردَّهم إلى أهلهم سالمين، و اجعل نصرهم قريبًا يا رب العالمين.

فلسطيني الهوية
عربي القومية

هاني البرغوثي

كاتب فلسطيني ، مدير و محرر موقع نبض الوعي العربي‏ ... فلسطيني الهوية،عربي القومية

مقالات ذات صلة