
هاني البرغوثي
تمر الأيام و تتعاقب السنون، لكن هناك تواريخ تظل محفورة في الذاكرة لا تمحى. إنها ذكرى فقدان من نحب، حين يختار القدر أن يأخذ منا جزءًا لا يعوض. في مثل هذا اليوم، منذ اثنتي عشرة سنة خلت، غادر والدي هذه الحياة الدنيا، لكن حضوره لم يغادر قلبي للحظة.
الذكرى السنوية لوفاة الأب ليست مجرد تاريخ نستحضره، بل هي لحظة وقوف أمام الذات، نتأمل فيها معنى الفقد ومعنى الامتنان لكل لحظة عشناها معه. هي دعوة صامتة لاستعادة صوره الماثلة في الذاكرة: ابتسامته التي كانت تطمئن القلوب، و صوته الحنون الذي كان يبدد المخاوف، و نظراته التي كانت تنم عن حب لا حدود له.
في هذا اليوم، أجد نفسي أتأمل في الدروس التي زرعها في الروح قبل العقل. علمني والدي كيف أكون قويًا في مواجهة الصعاب، و كيف أتمسك بالمبادئ مهما كلف الأمر، و كيف أكون سندًا لمن حولي كما كان هو سندًا لنا. كانت حياته مدرسة في العطاء و الصبر و التواضع، و ما زلت أستمد من تلك الدروس نورًا يضيء طريقي كلما أظلمت بي السبل.
الفقد يعلمنا أن الحب لا يموت. إنه يتحول إلى ذكريات نعيشها، و قيم نتمسك بها، و دعاء نرفعه في كل صلاة. من أعظم ما نقدمه لآبائنا بعد رحيلهم هو الدعاء الصادق، و الإحسان إلى من أحبوا، و العيش على مبادئهم التي أورثونا إياها.
ربما تكون الذكرى مؤلمة لأنها تجدد شعور الغياب، لكنها في الوقت نفسه فرصة لنعبر عن امتناننا لكل لحظة جمعتنا بك. إنها لحظة شكر لله أن منحنا هذا الأب الحنون، و لو لسنوات معدودة. الحزن لا يتناقص مع مرور الزمن، لكننا نتعلم كيف نحمله بطريقة مختلفة، كيف نحوله إلى وقود يدفعنا لنكون أفضل، و كيف نستمر في رحلتنا و نحن نحمل قيمه في قلوبنا.
مرة أخرى يحل هذا التاريخ الذي لا يحتاج إلى تقويم ليتذكره القلب. إنه ذكرى رحيلك يا أبي. سنوات تمضي، و الشعور بأنك غائب لم يتناقص و لم يجفف دموع الروح، لكن الأغرب أن إحساسك حاضر لم يغب يومًا.
في مثل هذا اليوم، توقفت الحياة على غير موعدها، و انكسر شيء في البيت لم يعد يرمم. كنتُ أظن أن الفقدان لحظة، لكني اكتشفت أنه رحلة نعيشها كل يوم. رحلة نتعلم فيها كيف نكمل الطريق بمن رحل، و كيف نحول الألم إلى أمل، و كيف نزرع ما كان يزرعه فينا لنحصد ثماره بعد رحيله.
أبي، لم تكن مجرد رجل في هذه الدنيا. كنت مدرسة تمشي على الأرض. منك تعلمت معنى الكلمة قبل النطق بها، و تعلمت أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، و أن العطاء الحقيقي هو ما لا يُنتظر عليه شكر. كنت تعطيني من وقتك رغم انشغالك، ومن حنانك رغم رجولتك الصارمة، و من حكمتك رغم صمتك الطويل.
الذكريات في مثل هذا اليوم ليست مجرد صور نسترجعها، بل هي دروس نستخرجها من كل موقف. أتذكر يدك القوية التي كانت تمسك يدي في الأماكن المخيفة، فكنت أشعر أن الدنيا كلها لا تخيف ما دمت معي. و اليوم، حين تخيفني الدنيا، أمسك بيد دروسك التي تركتها لي، فأجد القوة ذاتها.
من أعظم الهدايا التي تركها الأب لأبنائه هي الدعوات الصالحة التي تخرج من قلوبهم له، و الصدقات الجارية التي يهدونها له، و الاستمرار في قيم كان يحيا بها. لهذا أدركت أن ذكرى وفاتك ليست حدادًا على ما مضى، بل هي تجديد لعهد معك: أن أكون كما علمتني، و أن أحمل أمانة الخير التي أوصيتني بها.
ربما لا يراني أحد و أنا أتحدث إليك في خلوتي، لكني أعلم أنك ترى، و أن الدعاء يصل، و أن ما بيننا لا تقطعه المسافات. فالأبوة علاقة لا تنتهي بانتهاء العمر، لأنها تنغرس في الروح قبل الجسد.
اليوم، في هذه الذكرى، أتوقف لأشكر الله أن جعلك أبي. أشكره على كل يوم عشته معك، و كل كلمة سمعتها منك، و كل نظرة حب رأيتها في عينيك. رحمك الله رحمة واسعة، و أسكنك فسيح جناته، و جمعني بك في مستقر رحمته.
ستبقى الذكرى مؤلمة لأنك لم تعد إلى جانبي، لكنها أيضًا جميلة لأنك ما زلت في وجداني. ولست أظن أن الفراق يمحو شيئًا من حب، فالحب أعظم من أن ينتهي برحيل جسد.
في ذكرى وفاة والدي، أتوقف لأقول: رحمك الله يا أبي، و جعل الجنة مثواك، و ألهمنا الصبر و السلوان. مهما طال الغياب، فإن حبك باقٍ فينا، و ذكراك تاج على رؤوسنا، و دعاؤنا لك لا ينقطع ما بقينا.
إنها ذكرى ليست للنهاية، بل للخلود الذي بدأ برحيلك، فإلى اللقاء في جنة الخلد إن شاء الله.
إلى اللقاء في دار لا فراق فيها يا أعظم رجل في حياتي.




