د. حسين الريماوي - جامعة بيرزيت و أ. د.عماد البرغوثي - جامعة القدس شهدت المنطقة، كما هو الحال في الكثير من أقاليم العالم، ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة. مما سبب الكثير من الاضرار الطبيعية والبشرية. وقد أدى ذلك إل تدافع العديد من الأسئلة/ التساؤلات على ألسنة كل من اكتوى بلهيب هذه الظاهرة، منها:
هل حدثت في الماضي؟ وهل ستمتد للأشهر القادمة من هذا العام؟ وهل ستتكرر في السنوات القادمة؟ سنجيب على تلك الأسئلة بقدر ما أوتينا من العلم. أما الحقيقة فعلمها عند الله جل في علاه، القائل في محكم كتابه العزيز: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" صدق الله العظيم (الاسراء، آية 85). لقد شهد صيف فلسطين، في الحقب الزمنية المختلفة، تذبذباً في درجات الحرارة حول المعدل السنوي، من حيث الارتفاع والانخفاض. ولأن القدس عاصمة فلسطين، وهي التعبير الحقيقي عن مناخها، فقد قمنا بمراجعة تاريخية لدرجات الحرارة في هذه المدينة المقدسة، فتبين بأنه قد سُجِّل في صيفها درجات حرارة مرتفعة بلغت حوالي 44,4 درجة مئوية. وفي حالات اخرى شهدت المدينة نقصاناً في درجات حرارة الصيف حيث تدنت الى 19,5 درجة مئوية. كما شهدت القدس ارتفاعاً ملموساً في درجات الحرارة منذ عام 1950 وحتى عام 1970، علماً بأن هذا الارتفاع لم يكن مستمراً وإنما كان غير منتظم. ومنذ عام 1970 حتى الوقت الحاضر أصبح هذا الارتفاع مستمراً. من الجدير ملاحظته أن الارتفاع في درجة الحرارة في القدس عن المتوسط السنوي كان في الفترة 2002-2007 أقل من درجة واحدة، في حين أنه في هذا العام (2010) بلغ هذا الارتفاع (2,6) درجة مئوية. الأمر الذي يعني أننا نشهد هذه الأيام حالة شاذة وغير اعتيادية في ارتفاع درجات الحرارة في فلسطين. فقد أصبح التغير المناخي ومتابعته الشغل الشاغل لبني البشر كافة. لان كل فرد، مهما كان عمره أو موقعه يدفع ثمن هذا التغير الذي أصبح يعبر عن حياة أو موت. ويتطلب ذلك، من أهل العلم والمعرفة، التدخل من أجل القيام بالدور المطلوب منهم بتفسير الظاهرة، وتوجيه المواطنين إلى أفضل الطرق لمواجهة هذا الشذوذ المناخي؛ بنصحهم وإرشادهم لكيفية إعادة تنظيم ممارساتهم اليومية بما يمكنهم من الصمود أمام هذه التغيرات لتكون الخسائر في حدها الأدنى. لقد تغير نمط حياة الإنسان منذ القرن الماضي، بما جعله يؤثر في التفاصيل الدقيقة للمناخ. ففي كل بيت ثلاجة أو جهاز تكييف استخدام اجهزة التلفاز او الحاسوب او الراديو... الخ، أضف إلى ذلك الأجهزة والأدوات والمواد التي تعتبر محركاً رئيسياً للدول والشعوب والمجتمعات في البر والبحر والجو. وأنه لا رجعة عن امتلاك تلك الأجهزة واستخدامها، لأنها ليست مجرد أجهزة للمتعة البشرية، بل أنها ذات صلة مباشرة بالحياة اليومية للفرد والجماعة؛ فهي جزء لا يتجزأ من سعادة الإنسان في صحته وهي المنقذ له في سقمه. وهنا يبرز لنا السؤال التالي: وما تأثير ذلك على المناخ الذي نتحدث عنه؟ إن ما ذُكِرَ أعلاه مصنوع من مواد كيماوية خطرة كمادة كلورو فلورو كربون التي تلعب دورا كبيرا في خرق طبقة الأوزون. وطبقة الأوزون هذه، تتكون من اتحاد ثلاث ذرات أوكسجين، هي التي تحجب الأشعة الكونية الضارة القادمة من الشمس كالأشعة فوق البنفسجية. هذه الأشعة التي إذا ما زاد عند حد معين فإنها تسبب أمراض العيون وأورام الجلد ونقص في انتاج المحاصيل وخاصة الحبوب وغير ذلك. أما الأمر الآخر الذي سببه الإنسان في خلل المناخ، والذي تجدر مناقشته، فهو ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن تراكم كميات كبيرة من ثاني اوكسيد الكربون وغازات أخرى، قام الإنسان بضخها في الجو، عبر حرق كميات هائلة ولمدة طويلة كالفحم الحجري والنفط والغاز الطبيعي (انظر الشكل التالي). حتى أصبحت هذه الغازات تغلف الكرة الأرضية. ويعمل هذا الغلاف على منع أشعة الشمس المنعكسة من سطح الأرض من التبدد في الفضاء الخارجي وهذا ما يسمى "الاحتباس الحراري". وقدر العلماء أن هذا الارتفاع خلال العقود الثلاثة القادمة سيتراوح بين نصف درجة مئوية إلى أربع درجات ونصف الدرجة المئوية.
تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو منذ حوالي منتصف القرن الماضي حتى العام 2010
كما يُعتَقَدُ بأن الطبيعة نفسها أصبحت تسهم في الارتفاع الحاد لدرجات الحرارة. فقد كثر في الفترة الأخيرة الحديث عن الإنفجارات الشمسية أو الإنفجارات الشمسية القوية التي أصبحت تعرف باسم "تسونامي شمسي". وتحدث الإنفجارات الشمسية على الدوام، بتفاوت في شدتها وقوتها، باتجاه لا يواجه الأرض. ولكن في أحيان قليلة يحدث أن يكون أحد الإنفجارات الشمسية في الجهة المقابلة لكوكب الأرض، كما حدث في شهر آب عام 2010؛ حيث كانت الأرض في مواجهة هذا الانفجار الشمسي القوي. يعبر عن النشاط الشمسي بالدورة الشمسية ومدتها (11) عاما، تكون الشمس في بداية الدورة هادئة، وفي منتصف الدورة يكون هناك نشاط شمسي قوي وملموس من خلال عدد البقع الشمسية التي يمكن رصدها من سطح الشمس. والدورة الشمسية التي نعيشها هذه الأيام بدأت في عام 2008 وستكون في قمة نشاطها في عام 2013. كما أن هناك ما يسمى "دورة الطاقة المغناطيسية للشمس" ومدتها (22) عاماً، حيث تقذف الشمس كميات كبيرة من الطاقة المغناطيسية نتيجة الإنفجارات الشمسية، وتبين أن قمة الدورة المغناطيسية ستكون أيضا عام 2013. إن هذا التزامن في قمة الدورة الشمسية مع دورة الطاقة المغناطيسية للشمس سيؤدي إلى إنتاج مستويات ضخمة من الإشعاع، وبالتالي من المتوقع أن تكون تأثيرات العاصفة الشمسية القادمة في عام 2013 كبيرة جدا وذات أثر بالغ على الاقتصاد العالمي. حيث يمكن لشبكات الطاقة والسفر الجوي والخدمات المالية واتصالات الطوارئ اللاسلكية أن تتغير جميعها بسبب النشاط الشمسي الكثيف. قد لا نمتلك، حتى اللحظة الدليل على علاقة النشاط الشمسي والإنفجارات الشمسية بارتفاع درجات الحرارة التي نشهدها هذه الأيام. إلا أن ما ذُكِرَ أعلاه من اختراق لطبقة الأوزون واحتباس حراري سيؤثر على مناخ الأرض وطقسها بخاصة درجات الحرارة. كما أن الإنفجارات الشمسية ستؤثر على الجوانب الأخرى من حياة البشر، مثل: الاتصالات اللاسلكية، وحركة الطائرات، وحركة الأقمار الصناعية إضافة غالى تأثيرها على أنابيب البترول والمرافق الحياتية الأخرى . وعليه، فإننا مقبلون على تغيير جذري في المناخ والطقس من حيث التغيرات المتطرفة في درجات الحرارة، وأنماط الرياح والأمطار في كافة أرجاء الكرة الارضية. كما حصل خلال هذا العام لنمط الأمطار التي سقطت على الجزيرة العربية، وما يحدث هذه الايام في الباكستان والهند. ومن المتوقع ان تزداد كميات الامطار الساقطة على الوطن العربي نتيجة لتبخر الماء من المسطحات المائية. كما أن ارتفاع درجات حرارة الجو، كما ذكر سابقاً، سوف يؤدي الى ذوبان جليد القطبين مما يتسبب في ارتفاع مستوى سطح البحار والمحيطات بمعدل يبلغ 130 سم. ما يعني أن هناك تغيرات جذرية ستحدث على وجه الأرض، فعلى سبيل المثال سيؤدي ارتفاع مستوى سطح البحار الى غرق دلتا نهر النيل وسيفقد الملايين من المصريين مصدر عيشهم. وهناك من يعتقد ان جزر المالديف الواقعة في المحيط الهندي ستختفي تماما. وهنا لا بد من تذكير صانعي القرار والمخططين الاستراتيجيين، في أنحاء العالم بشكل عام، وفي وطننا العربي بشكل خاص بضرورة الإسراع في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتلافي الأضرار الناجمة عن التغيرات المأساوية المتمثلة بارتفاع درجات الحرارة، والهطول الكثيف للأمطار، وانغمار الأراضي بمياه البحار، واختفاء بلدان بكاملها عن الخريطة... الخ. وقد يتساءل المرء: هل يمكن تلافي تلك الأضرار؟ وهل يمكن أن تعود الطبيعة الى سالف عهدها؟ وتأتي الإجابة، بثقة عالية، واستناداً إلى دراسات وأبحاث دقيقة، وبعد جهود مضنية بأنه يمكن ذلك من خلال مجموعة من الإجراءات التي تقع على عاتق الفرد والجماعة والدولة بل والمجتمع الدولي، منها: · ترشيد استخدام الوقود الأحفوري والذهاب الى استخدام الطاقة النظيفة كالطاقة الشمسية. · على الإنسان أن يحافظ على قدرة الموارد المتجددة من تجديد نفسها كالنبات والحيوان. · على الإنسان أن يحافظ على قدرة النظام البيئي من هضم المخلفات الناتجة عنه. أما بالنسبة لنا، ونحن نعيش على أرض فلسطين، أرض الخيرات التي حُرِمنا من بحرها ومن نهرها.. وممنوع علينا التفيؤ بأشجارها الوارفة الظلال، والتي أصبحت تحت سيطرة "الطير من كل جنس". فإنه علينا الإعلان عن حالة من التكافل بين الأغنياء والفقراء. وعلى الأغنياء الذين ينعمون بالتبريد في البيت وفي السيارة وفي المكتب... الخ، الذي يحميهم من آلام العطش وأوجاعه، أن يتذكروا أن من أبناء جلدتم من يواجهون الشمس الحارقة، التي لم تعد جدران البيت تحميهم منها، بأجسادهم الغضة وبإرادتهم وبإصرارهم على ممارسة عبادة الصوم إيماناً واحتساباً.. وأن على صانعي القرار في وطننا الغالي أن يهيئوا الشعب ويمكنوه من مواجهة القادم من الأيام، بالتوعية والتثقيف والاعداد، فارتفاع الحرارة مضطرد، وأن ما نمر من ارتفاع في درجات الحرارة قد يكون سمة دائمة وليس ظاهرة عابرة.. ولنتهيأ جيداً للعام 2013 الذي ستلتقي فيه دورة الشمس مع دورة طاقتها المغناطيسية.. وإلى ذلك الحين نقول: أعاننا الله على ما نمر به ونرجوه، وهو عالم الغيب والشهادة، أن يرحم أطفالنا الرضع وشيوخنا الركع، لأننا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نفر من قدر الله إلى قدر الله". *بيت ريما، 20/8/2010م